ابراهيم بن عمر البقاعي
687
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولأجل أن الاشتباه أبلغ من التشابه ، علق الأمر بالنظر الذي هو أثبت الحواس ، ودلالة على أن المراد إنما هو ظاهر ذلك ، لأنه كان في الدلالة على البعث والتوحيد الذي هذا سياقه فقال : انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ وهذا بخلاف الحرف الثاني ، فإنه في سياق الرد على العرب فيما يجعلون من خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء أصلا ، ولذلك ختم الآية بالإذن لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه منه على أنفسهم ، وبالأمر بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه ، وأما الباطن الذي هو الأكل فسيأتي ؛ ثم نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله : إِذا أَثْمَرَ أي حين يبدو من كمامه ضعيفا قليل النفع أو عديمه وَيَنْعِهِ أي وانظروا إلى إدراكه إذ أدرك وحان قطافه ، ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك ، لأنه يلزم من مراقبة الأول والآخر ، فيعلم استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه وأشكاله وغير ذلك من شؤونه وأحواله ، ويلزم من ذلك أيضا النظر إلى أشجاره ليعلم تفاوت بعضها واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ذلك من سائر الأحوال ، كما أن ذلك موجود في التمر ، فاستناد هذه التبدلات والتغيرات ليس إلا إلى الفاعل المختار ، لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على حد سواء ، فلو استندت إليها لم تتغير . ولما كان اتخاذ هذه المذكورات أولا والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها وألوانها ثانيا دالا على كمال القدرة المستلزم للوحدانية ، دل على عظمته بقوله مستأنفا مشيرا بأداة البعد وميم الجمع : إِنَّ فِي ذلِكُمْ أي الأمر العظيم الشأن العالي الرتبة لَآياتٍ أي علامات على قدرة الصانع واختياره . ولما كانت الآيات لا تغني عمن أريدت شقاوته قال : لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * أي حكم بأنهم - بحذقهم ونشاطهم وقوتهم على ما يحاولونه - يجددون الإيمان كلما تأملوا في مصنوعات اللّه سبحانه وتعالى الدالة عليه المشيرة بكل لسان إليه . ولما كان المشركون على أصناف : منهم عدة أصنام ، شركوا في العبودية لا في الخلق ، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السّلام ومنهم عبدة الكواكب وهم فريقان : منهم من قال : هي واجبة الوجود ، ومنهم من قال : ممكنة ، خلقها اللّه وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل ، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السّلام بالأفول ، ومنهم من قال : لهذا العالم كله إلهان : فاعل خير ، وفاعل شر ، وقالوا : إن اللّه وإبليس أخوان ، فاللّه خالق الناس والدواب والأنعام ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور ، ويلقبون الزنادقة وهم المجوس ، لأن الكتاب الذي زعم زردشت أنه نزل من عند اللّه سمي بالزند ، فالمنسوب إليه زندي ، ثم عرب فقيل : زنديق ، وكان هذا كله في قوله